الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

314

نفحات الولاية

« فما أنطلق مادحه حتى أسكته ، ولا صدق واصفه حتى بكته » « 1 » فقد فعل ما يدعو إلى مدحه من قبل كل من يسمعه ، إلّاأنّ خبر عتقه لسبايا بني ناجية لم يكد ينتشر بين الناس حتى انتشر قبله نبأ فراراه إلى الشام ، فأصاب الجميع بالدهشة والذهول ، فكيف يلجأ إلى معاوية من يقوم بهذا العمل النجيب ، فيؤثر مجاورة معاوية والوقوف إلى جانبه على علي عليه السلام ؟ نعم لا يسع الجميع تحمل العدل ! ثم إختتم كلامه بالقول « ولو أقام لأخذنا ميسوره ، وانتظرنا بماله وفوره » أجل هذا منطق القرآن الكريم « وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » « 2 » . ليس هنالك من يعتقد بأنّ علياً عليه السلام سيعامله على خلاف القرآن وأحكامه ، وعليه فلا يقبل عذره في خشيته من الإمام عليه السلام في تسديد ما بذمته لبيت‌المال . وهنا يبرز هذا السؤال لم لم يهبه الإمام عليه السلام ذلك المال تقديراً لعمله الإنساني ، فمصقلة لم يكن ليتحمل بذلك الدين لمصالحه الشخصية بل كان نتيجة طبيعة لذلك العمل الجبار الذي قام به ؟ ونقول في الجواب على هذا السؤال أنّ الإمام عليه السلام لو فعل ذلك لأصبحت سنة في المستقبل ، بحيث يقوم كل عامل وآمر بالطلاق سراح الاسرى ؛ الأمر الذي يفرز بعض المخاطر التي تهدد كيان المجتمع الإسلامي بينما يحظي الأمر بمدح الناس وثنائهم . أضف إلى ذلك فانّ مثل هذا البذل يزعزع أسس ودعائم بيت المال ويعيد إلى الأذهان سياسة البذخ والاسراف التي إتبعها عثمان تجاهه ، بينما كان الإمام عليه السلام قد وعد الامّة بأنّه سيتسرجع كل ما أخذ من بيت المال بغير حق وإن تزوج به النساء . تأمّلان 1 - من بين الأسئلة التي تطرح بشأن هذه الخطبة

--> ( 1 ) « بكته » من مادة « بكت » على وزن بخت بمعنى الضرب بالعصا ، كما تعني التوبيخ والغلبة على الآخرين عن‌طريق الاستدلال . ( 2 ) سورة البقرة / 280 .